السرخسي

115

المبسوط

وذلك صحيح منه فان أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل فقد أثبت عليه القتل بالحجة فيقضى عليه بموجبه وان أقام شاهدين من أهل المحلة عليه بذلك لا تقبل شهادتهما لان أهل المحلة خصماء في هذه الحادثة ما بقيت القسامة والدية عليهم فكانوا متهمين في هذه الشهادة وكانوا بمعنى الشاهدين لأنفسهم وإذا لم تقبل شهادتهما قال أبو يوسف رحمه الله ان اختار الولي الشاهدين من جملة من يستحلفهم يحلفهما بالله ما قتلنا لأنهما زعما انهما يعلمان القاتل فلا معنى لاستحلافهما علي العلم وإنما يستحلفان على البتات بالله ما قتلنا وقال محمد رحمه الله يحلفان بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا سوى فلأن لان ما هو المقصود يحصل بهذا الاستثناء فلا يجوز اسقاط اليمين على العلم في حقهما كما لا يجوز في حق غيرهما وان ادعى الأولياء على غير أهل المحلة فقد أبرؤا أهل المحلة من ذلك حتى لا تسمع دعواهم بعد ذلك على أهل المحلة للتناقض فان أقاموا شاهدين بذلك على المدعى عليه من أهل المحلة فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا تقبل شهادتهما وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تقبل شهادتهما على القاتل بذلك * وجه قولهما ان أهل المحلة حين وجد القتيل بين أظهرهم بعرض أن يكونوا خصماء لو ادعى الولي عليهم فإذا ادعى على غيرهم فقد زالت هذه العرضية وتبين انهم لم يكونوا خصماء في هذه الحادثة أصلا فوجب قبول شهادتهم فيها كالشفيع إذا شهد بالبيع بعد ما سلم الشفعة فإنه تقبل شهادته والوكيل بالخصومة إذا عزل قبل أن يخاصم ثم شهد في تلك الحادثة تقبل شهادته لهذا المعنى ولان البراءة قد وقعت لأهل المحلة بدعوى الولي على غيرهم على البتات بدليل انهم لا يطالبون بشئ بسبب هذه الحادثة بعد هذا الحال فكانوا بمنزلة غيرهم في الشهادة فيها ولأنا إنما كنا نحلفهم علي العلم ليظهروا القاتل ان علموا فيستحيل ان يظهروا ذلك حسبة بالشهادة ولا يكون مقبولا منهم بخلاف ما إذا كانت الدعوى على واحد منهم لان هناك لا يظهرونه حسبة بالشهادة بل يسقطون به القسامة والدية عن أنفسهم فكانوا متهمين فيها وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول أهل المحلة صاروا خصماء في حادثة لا تقبل شهادتهم فيها وان خرج من الخصومة كالوكيل إذا خاصم في المجلس يعنى مجلس الحكم ثم عزل فشهد وإنما قلنا ذلك لان السبب الموجب للدية والقسامة عليهم وجود القتيل بين أظهرهم كما قال عمر رضي الله عنه وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم وبدعوى الولي علي غير أهل المحلة لا يتبين ان هذا السبب لم يكن ولكن خرجوا من الخصومة بعد أن كانوا خصماء لكون الولي مناقضا في الدعوى